في مساء خريفي بارد، وصلت ليلى إلى كندا وهي تحمل في حقيبتها كتبًا كثيرة، وفي قلبها أحلامًا أكبر من الغربة. كانت فتاة عربية طموحة قررت أن تكمل دراستها العليا في إحدى الجامعات الكندية المرموقة، مؤمنة أن العلم هو الطريق الوحيد لتغيير مصيرها. لم تكن .تعلم أن الطريق الذي ظنته بوابة للنور سيقودها إلى تجربة ستبدل نظرتها للحياة والحب إلى الأبد.
| قصة واقعية طالبة في الغربة و استاذ جامعي قصة حب. |
منذ الأسبوع الأول، التحقت بمادة تعنى بحقوق المهاجرين والعدالة الاجتماعية. دخل الأستاذ إلى القاعة بثقة لافتة، رجل في منتصف الأربعينيات، بملامح عربية جذابة، وصوت هادئ يحمل سلطة المعرفة. كان اسمه الدكتور سامر. تحدث عن معاناة المهاجرين، عن النساء اللواتي يواجهن التمييز، عن ضرورة كسر الصور النمطية. شعرت ليلى بإعجاب شديد؛ ليس فقط بوسامته، بل بثقافته وحماسه ودفاعه العلني عن القيم التي كانت تؤمن بها.
كانت تتابع بشغف كل كلمة يقولها. وحين ناقشت فكرة في إحدى الحصص، أثنى عليها أمام الجميع. بعد المحاضرة، طلب منها أن تبقى قليلًا لمناقشة مشروع بحثها. خرجت من القاعة وقلبها يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل. أقنعت نفسها أن الأمر مجرد تقدير أكاديمي، لكن شيئًا أعمق كان ينمو بصمت.
تكررت اللقاءات. صار يشجعها على القراءة، ويرسل لها مراجع إضافية، ويتحدث معها عن تجربته كمهاجر عربي استطاع أن يثبت نفسه في المجتمع الكندي. كان يشاركها تفاصيل عن صعوبات واجهها، عن شعوره أحيانًا بالوحدة. شعرت أنها تقترب من روحه، لا من مكانته الأكاديمية فقط.
كانت ليلى تحرص على الاطلاع على كل ما يخص الدراسة والإقامة في كندا عبر الموقع الرسمي للحكومة الكندية، لتضمن أن خطواتها قانونية ومستقرة. كانت منظمة في كل شيء… إلا في قلبها.
ذات مساء، أخبرها بصوت منخفض أنه يعيش زواجًا باردًا، وأن العلاقة بينه وبين زوجته انتهت عاطفيًا منذ سنوات. قال إنه باقٍ فقط من أجل أطفاله. نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالتعاطف. لم تسأله كثيرًا. ربما لأنها لم ترد أن تسمع إجابة تهدم ما بدأت تبنيه في خيالها.
تحولت اللقاءات الأكاديمية إلى جلسات مطولة خارج الحرم الجامعي. حديث عن الأدب، عن الفلسفة، عن الحرية. ثم تسلل الحديث إلى مشاعر. قال لها إنها مختلفة عن كل من عرف، إنها ناضجة رغم صغر سنها، وإنه يرى فيها شريكة فكر قبل أن تكون طالبة. كانت تلك الكلمات تسحرها، وتجعلها تشعر بأنها مميزة، مختارة، استثنائية.
لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا. في إحدى الليالي، وأثناء تصفحها العابر لوسائل التواصل، رأت صورة حديثة له مع زوجته وأطفاله في احتفال عائلي. لم يكن الانفصال الذي تحدث عنه واضحًا كما وصف. بدا بيتًا مستقرًا، وابتسامة عائلية كاملة. حين واجهته، لم ينكر الزواج، لكنه أعاد صياغة القصة. قال إن الصور لا تعكس الحقيقة، وإن ما يربطه بزوجته مجرد واجب اجتماعي.
بكت. قررت أن تبتعد. لكنه عاد برسائل طويلة مليئة بالندم والوعود. تحدث عن خوفه من خسارتها، وعن شعوره بأنه وجد أخيرًا من يفهمه. كانت ليلى تمزق بين عقل يحذرها، وقلب يندفع نحوه دون مقاومة.
تجاوزت العلاقة حدودها شيئًا فشيئًا. أقنعت نفسها بأنها امرأة راشدة، تختار ما تريد. لكنه كان أكثر خبرة، يعرف كيف يوجه المشاعر، وكيف يجعلها تشعر أن القرب منه قرارها وحدها. دخلت في علاقة جسدية معه، لمرة، ثم مرات. كان يعدها بأن الأمور ستتغير، وأنه سيحسم وضعه قريبًا.
كانت تعيش علاقة سرية، بلا صور، بلا اعتراف علني، بلا مستقبل واضح. كل شيء يتم في الظل. كانت تنتظره بين محاضراته واجتماعاته، تشعر أحيانًا أنها هامش في كتاب حياته، لا فصلًا رئيسيًا.
ثم جاء الخبر الذي قلب كل شيء. تأخر دورتها الشهرية، ثم تأكدت من حملها. جلست على سريرها لساعات، تمسك الاختبار بيد مرتجفة. حين أخبرته، لم يكن صوته كما اعتادت. لم يحمل دفئًا ولا حنانًا، بل توترًا واضحًا. قال إن الوقت غير مناسب، وإن سمعته المهنية على المحك، وإن الفضيحة قد تدمره.
طلب منها أن “تفكر بعقلانية”. كان يقصد أن تُنهي الحمل. لم يتحدث عن زواج، ولا عن اعتراف، ولا عن مسؤولية مشتركة. كان يفكر في نفسه فقط.
توسلت إليه أن يقف إلى جانبها، أن يتحمل جزءًا من القرار. لكنه بدأ ينسحب تدريجيًا. تقلصت مكالماته، صارت رسائله مقتضبة، ثم اختفى تقريبًا. أدركت أنها كانت وحدها منذ البداية، لكنها لم ترَ ذلك إلا الآن.
عاشت ليلى صراعًا داخليًا قاسيًا. كانت غريبة في بلد بعيد، بلا عائلة قريبة، بلا دعم حقيقي. فكرة أن تصبح أمًا وحيدة بدت مرعبة، خاصة مع أب يرفض الاعتراف. وبعد أيام طويلة من البكاء والتردد، وجدت نفسها في عيادة طبية، توقع على أوراق لا تكاد تراها من شدة الدموع.
لم يكن القرار سهلًا، ولم يكن عابرًا. خرجت من العيادة وهي تشعر أن جزءًا منها قد انكسر إلى الأبد. لم يكن الألم جسديًا فقط، بل روحيًا. شعرت بفراغ هائل، وبغصة لن تزول بسهولة.
حاولت التواصل معه مرة أخيرة. لم يرد. وحين رد بعد أيام، كان باردًا، عمليًا، كأن ما جمعهما لم يكن سوى خطأ عابر. في تلك اللحظة، رأت وجهه الحقيقي. لم يعد المدافع عن النساء، ولا المثقف الإنساني. كان رجلًا خائفًا على صورته، مستعدًا للتضحية بها لتبقى صورته نقية أمام الآخرين.
انهارت ليلى، لكنها لم تبقَ في الانهيار طويلًا. طلبت مساعدة نفسية من الجامعة، وبدأت تقرأ عن العلاقات غير المتكافئة بين الأساتذة والطلاب، وعن استغلال السلطة العاطفية. أدركت أنها لم تكن قصة حب متكافئة، بل علاقة اختلطت فيها المشاعر بالقوة والنفوذ.
على مدونتها “قصص ناس”، كتبت لاحقًا عن تجربة الغربة والخذلان في قصة بعنوان “قلب في المنفى”، مستلهمة ما عاشته ..
لم تعد ليلى تلك الفتاة التي انبهرت بأول نظرة. صارت أكثر وعيًا، أكثر حذرًا، وأكثر صلابة. ركزت على دراستها، وأنجزت بحثًا جريئًا عن استغلال السلطة في البيئات الأكاديمية. نال البحث تقديرًا واسعًا، وشعرت للمرة الأولى أنها استعادت صوتها.
مرت السنوات، وتخرجت بتفوق. في إحدى الأمسيات، سمعت خبرًا عن فتح تحقيق داخلي مع أستاذ جامعي بسبب شكاوى متعددة من طالبات. لم يذكر اسمه في البداية، لكنها لم تحتج إلى الكثير لتفهم. شعرت بحزن، لا شماتة. حزن لأن قصتها لم تكن فريدة كما ظنت.
وقفت أمام المرآة ذات صباح، نظرت إلى عينيها طويلًا. لم تعد ترى الضحية فقط، بل ترى الناجية. تجربة قاسية، نعم. جرح عميق، بلا شك. لكنه جرح علمها أن المظاهر قد تخدع، وأن الكلمات الجميلة لا تعني بالضرورة قلبًا نقيًا.
تعلمت أن تحب نفسها قبل أي رجل، وأن لا تسمح لأحد بأن يجعلها سرًا في حياته. أدركت أن الرجل الذي يظهر كالملاك قد يخفي شيطانًا خلف ابتسامة واثقة. والأهم، أدركت أن السقوط لا يعني النهاية، بل قد يكون بداية لوعي جديد.
Comments
Post a Comment